رسالة لم تصل إلى يوسف فتح الله – عبدالرحمن منيف

مهمة كبيرة وخطيرة، ليكن الله في عونك، ومع ذاك تستحق المجازفة؛ لأن أهم مشكلة تواجه المنطقة العربية في الوقت الحاضر هي حقوق الإنسان. ما دامت هذه الحقوق غائبة، غير معترف بها، سيبقى الإنسان العربي مكبلاً عاجزاً. وسيبقى الوطن بالتالي مجرد مساحات جغرافية خاوية، والبشر فيه مجرد أرقام تماثل الأشباح. وسيكون الحكام مهما بلغ بطشهم دمى خائفة، معزولة، مثيرة للسخرية. وكل هذا يشكل خسارة للوطن؛ لأن وطناً بلا بشر أحرار لا يعني شيئاً هاماً في مقاييس الزمن الذي نعيشه.

أنت الآن تتصدى لمشكلة بالغة الأهمية وطبيعي أن تُقابل بعدم الفهم، بالإنكار، وربما بالإضطهاد، خاصة من الأنظمة؛ فالحاكم العربي اليوم لا يحتمل أية مناقشة، ولا يقبل أي رأي مختلف، فما بالك وأنت تحاول أن تنتزع منه شيئاً يعتبره حقاً خاصاً، أبدياً ومقدساً؟

ليس هذا فقط، إن قسماً من الذين نذرت نفسك للدفاع عنهم، لاستخلاص حقوقهم، لن يفهموك. وحتى الذين يفهمونك لن يستجيبوا بسهولة لدعوتك وقد يبلغ الأمر ببعضهم لمعاداتك! ستبقى، وربما لفترة طويلة، في وضع لا تحسد عليه نتيجة الخوف وسوء الفهم وعدم إمكانية التواصل، خاصة و أن الذين ”أدمنوا” العبودية لا يدركون ماهية الحقوق التي تنادي بها.

العزيز يوسف… تتذكر الأحلام الكبيرة التي ملأت أيامنا منذ الخمسينات، لقد تبددت هذه الأحلام كلها، وأصبحنا الآن مثل دون كيشوت، نحارب أوهامنا، خاصة بعد أن انعزلنا عن الناس و بعد أن خارت قوانا.

العلة فينا يا يوسف لأننا لم نفعل شيئاً صحيحاً في وقته. فعندما كانت الديمقراطية حلاً وكانت بداياتها موجودة لم نفطن لأهمية هذا العلاج ولم نؤيد هذا الحل. كما أننا تخلينا عن الناس، ترفعنا، فقد كنا نعتبر أن الأمور واضحة ولا تحتاج إلى البراهين. وهكذا ابتعدنا ثم انعزلنا، إلى أن اكتشفنا متأخرين أننا لم نعد مفهومين.

إن الناس والقضايا مثل مياه النهر، تتغير بإستمرار، وما لم يكن الإنسان قريباً من الناس فسوف يفقد التواصل ويعجز عن الإقناع.

لم يقتصر الأمر على ذلك. لم نتحرك في الوقت المناسب للدفاع عن الأمور الأساسية: الدفاع عن القانون وحكم القانون، لم نفضح سارقي الثورة والثروة، لم نقف في وجه الإرهاب والقمع، لم نحشد الناس للدفاع عن كرامتهم و حقهم في الخبز والحرية، واكتفينا بالمراقبة والانتظار إلى أن خربت البصرة كما يقال وبات الإصلاح أقرب إلى المستحيل.

فكر جيداً يا يوسف بالصيغ العلمية لأن الشعار وحده لا يكفي، وفكر بالناس: كيف يمكن أن تقترب منهم، أن تجعلهم يحسون أنك معهم. إن ذلك لن يتم إلا بتبني مطالبهم، بالتصدي لكل من يعتدي عليهم. وبهذه الصيغ تخلق حولك سياجاً يقيك شر الحاكم، أو على الأقل يرد عنك جزء من أذى الذين لا يتفقون معك.

مرة أخرى: كل التمنيات بالنجاح، وأردد ما قاله أحد الصحابة: اللهم أعطني ظهراً قوياً ولا تعطني حملاً خفيفاً.

Advertisements

النسوية والحقوق السياسية

كتب هذا المقال ونشر في موقع المقال

يذكر سيّد علي العوامي في كتابه “الحركة الوطنيّة السعوديّة” أن مجموعة من أهل القطيف رفعوا طلباً للملك سعود في نهاية الخمسينات لفتح مدرسة للبنات. استدعي هؤلاء لاحقاً من قبل الشرطة وأبلغوا بردّ الديوان الملكي وهو “البنت تتعلّم في بيتها، والمدرسة أول خطوة في طريق الفساد.”، وجرى توقيعهم على تسلّمهم الردّ، لكنهم لم يستسلموا وأرسلوا خطاباً للملك يوضّح فوائد التعليم، فتم ّتجاهله. بعد هذه الحادثة بسنتين، أصدر ولي العهد الأمير فيصل قراراً بفتح مدارس البنات في المملكة.

لم تكن قضية تعليم الفتيات فريدة من نوعها، فمن القضايا النسويّة كقيادة المرأة وحقها في التصويت والترشّح في الانتخابات البلديّة ونزع الوصاية عنها إلى قضايا أعمّ كوضع دستور وانتخاب برلمان ورئيس وزراء غالباً ما يسبق الحراك المجتمعي الإجراء الحكومي.

لم تكتفِ الرواية الحكوميّة بعكس ذلك وإيعاز تخلّف المجتمع للمجتمع فقط، بل استخدمت بعض فئات المجتمع لإقناع العالم بذلك، سأتكلم في هذا المقال عن إحدى هذه الفئات وهي النسويّات.

في ظلّ ملكيّة مطلقة تنعدم فيها المشاركة السياسيّة تتحمّل السلطة المسؤوليّة تجاه الاضطهاد الممارس على المرأة، بالرغم من ذلك نجحت الحكومة بإقناع النسويّات بأنها حليفتهم عبر تكوينها ما سمّته پيغي ماكنتوش “نظام امتيازات” (Privilege System)، وتحويلها ما يجب أن تكون حقوقاً للجميع إلى ميزات تمنح للبعض من “المواطنين الصالحين”.

اتخذت السلطة عدّة خطوات لتظهر بمظهر الدولة التقدميّة التي تواجه شعباً رجعيّاً، ولتحرص على إظهار منزلتها الأبويّة قامت بتعيين النساء في مجلس الشورى مثلاً. وبالرغم من أن هؤلاء النساء تمّ تعيينهم من قبل الدولة ولم ينتخبهم الشعب، وبالرغم من أن مجلس الشورى لا يملك أي سلطة فعلية، لكن السلطة نجحت في الحصول على ما أرادت من ثناء وعرفان النسويّات والمجتمع الدولي حيث أثنت حوالي ٨٠ دولة على هذه الخطوة في جلسة مجلس حقوق الإنسان الذي عقد في ٢١ أكتوبر. وبقي سؤال أمل زاهد “ليس السؤال ماذا ستنجز المرأة في مجلس الشورى، ولكن السؤال ماذا أنجز الرجل فيه من قبل؟” معّلقاً.

أصبح النسويّات يطالبن بإخراج المرأة من وصاية والدها أو زوجها إلى وصاية الدولة عبر مناشدة الدولة-الأب مساعدتهن وتحريرهن من تسلّط الرجل و”المطاوعة” والمجتمع، متجاهلات بذلك أن التشدّد الديني ومعاملة المرأة كقاصر تتحمل الدولة مسؤولية ترسيخهما في القانون ونشرهما عبر التعليم والإعلام ومنابر الجمعة، ومتجاهلات أيضاً أن الصراع يجب أن يكون ضد نظام الوصاية ككل وليس هويّة الوصي.

ولأن نظام الدولة قائم على منح الامتيازات، ابتعدت النسويّات عن المشاركة في النشاط الإصلاحي، وفصلن قضاياهن عنه -بل وحاربنه أحياناً- خوفاً من التغيير الذي قد يؤدي لفقد هذه الامتيازات، واكتفين بمناشدة الدولة أن تساويهن مع الرجل، غافلات أو متغافلات عن كونه مُضطهَداً هو الآخر ومحروماً من المواطنة الحقّة. وهو خطاب يخدم الحكومة لأنه يتحرك في إطار النظام الحالي ويقدّس قانونه و”يعارضه” عبر الوسائل المتاحة من قبل هذا النظام فقط، رافضاً “ليّ ذراعه”.

لكن حملة ٢٦ أكتوبر المطالبة بقيادة المرأة للسيارة غيرت المعادلة قليلاً، وعرّت كذبتين رئيسيتين ترتكز عليهما بروباغاندا الدولة، أولها تصريحات مسؤولي الدولة خلال السنوات الأخيرة عن كون قضية قيادة المرأة عائدة للمجتمع وأن السلطة ستدعم خياره -وكأن هناك معياراً لقياس قابلية المجتمع لقيادة المرأة!- كما أطلق بعض المسؤولين، كوزير العدل، تصريحات جديدة تؤيد -ولو ضمنياً- قيادة المرأة تم نشرها والتذكير بها مراراً بالتزامن مع الدعوات لحملة ٢٦ أكتوبر، وثانيها تقدمية الدولة في مقابل رجعية المجتمع.

بينما دعت حملة ٢٦ أكتوبر النساء لقيادة سياراتهن منذ انطلاقها في أواخر سبتمبر وبشكل مستمر رفضاً للحظر المفروض من قبل الدولة، أنكر عدد كبير من أعضائها ومؤيديها كونها نوعاً من أنواع العصيان المدني أو كونها تدعو “للتظاهر والفوضى”، أو كونها تتحدّى الدولة حتّى، مستمدّين شرعيّتها من تصريحات المسؤولين، بل قام بعضهم بشكر وزارة الداخلية على اهتمامها بأمن النساء اللاتي خرجن وسيخرجن للقيادة.

خُيّبت آمال هذه الفئة في قبل 26 اكتوبر بيومين حين صدر بيان من وزارة الداخلية يحذّر النساء من القيادة ويهدّد باتخاذ الإجراءات اللازمة ضدهن، كما تم الاتصال بأبرز الناشطات في الحملة وتحذيرهن من القيادة في اليوم التالي. تخبّط الأغلبية في محاولات تبرير البيان باعتباره نابعاً من الحرص على المرأة وعلى عدم استغلال هذا اليوم من قبل “المصطادين في الماء العكر” – كان مناصرو قضية المعتقلين تعسفياً قد دعوا إلى مظاهرات بالسيارات في نفس اليوم ليحصلوا على اهتمام الإعلام- وسحب “الحكوميون” تأييدهم للقيادة في اليوم المنشود رافضين تحدّي الدولة، ورفض البعض تحدّيها لأنه من الأفضل أن “يشاغبوا” الحكومة قليلاً خارج السجن على أن يتصادموا معها ويدخلوه. كما ذكر أشخاص بأن السلطة كانت متسامحة مع النساء وليس من الحكمة استفزازها، وأصرّ البعض على المضي قدماً وتحدّي الحظر، مما قد يُنظر إليه كتأسيس لخط جديد ضمن الحركة النسويّة في السعودية أكثر راديكاليّةً ووضوحاً في تمييز الخصم وكيفيّة التعامل معه.

لكن بعيداً عن ردات الفعل على بيان الداخليّة، كان النجاح الأكبر للحملة هو دحض إدّعاء الحكومة أن القضيّة اجتماعيّة لا سياسيّة، كما عرّيت الكذبة المتصلة بها وهي تقدّميّة الحكومة مقابل تخلّف المجتمع، حيث انحصرت ردود فعل المعارضين بين زيارة الديوان الملكي والدعوة لمظاهرات بالسيارات في نفس اليوم والتعبير عن آراءهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وبعيداً عن هذه الوسائل السلميّة للتعبير عن الرأي، لم نسمع بتعرّض أيّ من النساء للمضايقات من “مواطنين” آخرين، بينما تعرّضن لاتصالات تهديد وملاحقات أفراد المباحث والتوقيف والتوقيع على تعهدات، بل وحتى اعتقال الصحفي طارق المبارك المؤيد والمشارك في الحملة من قبل أجهزة الحكومة، وهذا الاعتقال أكّد بما لا يدع مجالاً للشك بأن القضيّة ليست مجتمعيّة.

أخيراً، بدل السماح للسلطة باستغلال المرأة لصرف النظر عن استبدادها وبطريركيتها، على الحركة النسويّة أن تدرك أنه في ظل دولة مستبدّة تغيب فيها المواطنة ويعامل الشعب كرعايا يجب الانخراط في الحراك الإصلاحي السياسي العام؛ فالمضطهِد واحد، وقضايا المواطنة والعدالة والحريّات والانتخاب وإصلاح القضاء والتعليم وغيرها تمسّ المرأة أيضاً وأي تقدّم فيها لا بدّ وأن يصبّ في مصلحة المرأة، خصوصاً لو شاركت في تحقيقه. كما أن تمييع القضايا والانفصال عن قضايا الشعب وتملّق الحكومة للحصول على مطالب فئويّة سيضرّ النساء كما الرجال لأنه سيؤخر حصول الجميع على حقوقهم كمواطنين ومواطنات.

توقّف عن كونك عاجزاً، ساهم في إغاثة غزّة

خلال الحرب الأخيرة في غزة استشهد أكثر من 425 شهيدا (منهم 112 طفل، 41 من النساء، و25 مسن)، أما عدد الجرحى منذ بداية العدوان فقد تجاوز 3008 جريحا (منهم 904 من الأطفال، 533 من النساء، 25 من المسنين) بحسب آخر تصريح للمتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة الدكتور أشرف القدرة. بالأمس قصف الاحتلال الصهيوني حي الشجاعية في غزة بأكمله واستشهد أكثر من ٩٠ شخصاً ونزح عشرات الآلاف إلى المستشفيات ومدارس الأونروا.
بدلاً من الاكتفاء بالشعور بالعجز ولعن الاحتلال ومن تواطئ معه، تستطيع مساعدة الفلسطينيين. المستشفيات في غزة تفتقد الأدوية والمعدات، والنازحون بحاجة ملابس وأغطية وغيرها.
ساهم في إغاثة أهالي غزة الأحرار:

تبرع للأونروا: http://www.unrwa.org/ar/donate

٢٠١٤٠٧٢١-٠٠١٣٤٨.jpg

PCRF: http://www.pcrf.net/

٢٠١٤٠٧٢١-٠٠١٤١٣.jpg

مؤسسة التعاون: https://ar-ar.facebook.com/WelfarePalestinehttps://www.justgiving.com/Gaza-Appeal2104

٢٠١٤٠٧٢١-٠٠١٤٤١.jpg

الندوة العالمية للشباب الإسلامي في السعودية:

٢٠١٤٠٧٢١-٠٠١٥١٠.jpg

تكيّة أم علي في الأردن: http://tua.jo/

٢٠١٤٠٧٢١-٠٠١٥٤٨.jpg

مؤسسة راف في قطر:

٢٠١٤٠٧٢١-٠٠١٦٢٤.jpg

الهيئة العمانية للأعمال الخيرية: http://www.oco.org.om/

٢٠١٤٠٧٢١-٠٠١٧٤٩.jpg

الهلال الأحمر الكويتي:

٢٠١٤٠٧٢١-٠٠١٨١٣.jpg

في ذكرى النكبة: السلام ليس الحل

٢٠١٤٠٥٢٣-٠٤٠٩٤٦.jpg

لعقود كانت القضية الفلسطينية هي القضية الأهم عند العرب شعوباً وحكومات. كانت “خطاً أحمراً”. وكانت الحكومات التي لا تمانع وجود الاحتلال تدّعي فعل ذلك لكي تتقي غضب شعوبها. لكن الوضع بدأ في التغير في السنوات الأخيرة خصوصاً وبدأت الحكومات بالتطبيع علناً (غالباً بطرق غير رسمية حيث أن الأنظمة في عدد من الدول العربية كالسعودية ما زالت تجرّم التعامل مع اسرائيل). وقد تأثر بعض “المثقفين” وتبنوا هذا الخطاب الجديد المتصهين. لم يكتف هؤلاء بالدعوة إلى تقبل الاحتلال والتطبيع ومحاولة “تطبيع التطبيع”، بل بدأوا في تشويه صورة من يتمسك بالقضية وتحرير كامل فلسطين وعودة جميع اللاجئين ورفض التطبيع.
يتميز هذا الخطاب المتصهين بالجهل والمغالطات وبالوهم أيضاً. إن اسرائيل التي يدّعون أنها تشترك مع الفلسطينيين في المظلومية وتتميز عنهم بالديمقراطية والعدالة وحب السلام ما هي إلا فكرة في رؤوسهم المستشرقة لذاتها والمنبهرة بالغرب الذي استعمر واحتل البلدان العربية “ليحررها” و”ينهض بحضارتها” والمنبهرة بالتالي بامتداد هذا الغرب في العالم العربي: اسرائيل.

اسرائيل ليست ديمقراطية

يجيب ايلان پاپي عن سؤال “هل اسرائيل مركز الديمقراطية في الشرق الأوسط بالفعل؟” بقوله: “إن أحد أبرز الاختبارات للديمقراطيات هو كيفية معاملتها للأقليات. إذا سلمنا بهذا سيكون من السخف تعريف اسرائيل كدولة ديمقراطية.”
إن العرب الفلسطينيين هم أبرز هذه الأقليات في أراضي ٤٨، فهل يتنعمون في ظل “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”؟
تتحدث أريج صائب في مقالتها “المؤسسات الأكاديمية في خدمة الاحتلال: الجامعة العبرية أنموذجاً” عن معاناة فلسطينيي ٤٨ في المجال الأكاديمي. إن معاناة الطلاب الفلسطينيون لا تتوقف عند محتوى المناهج الاستشراقية ولا عند “عسكرة” الجامعات من خلال إسناد مناصب إدارية لقيادات عسكرية في جيش الاحتلال وتقديم التسهيلات للطلاب من مجنديه، بل تتعدى ذلك إلى تجميد أنشطة الحركات الطلابية الفلسطينية ومنع فعالياتهم، والتنسيق مع شرطة الاحتلال لقمعهم واقتحام مساكنهم واعتقالهم. تستشهد أريج بمظاهرة الطلبة الفلسطينيين في الجامعة العبرية مؤخراً ضد قانون تجنيد العرب في الجيش التي انتهت بالإعتداء على الطلاب بالضرب والاعتقال للبعض.
تستمر اسرائيل في التمييز بين “مواطنيها” من اليهود وغير اليهود في المجالات الأخرى أيضاً. وهذا طبيعي إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أنها دولة احتلال قائمة على ثوابت إثنو-دينية (هي دولة يهودية … دولة لكل يهود العالم كما يكرر مسؤولوها)، ولكنه غريب في ظل دولة لا تدعي كونها ديمقراطية فقط بل أنها واحة ومركزاً للديمقراطية في الشرق الأوسط.
إن قوانين كقانون أملاك الغائبين الذي يمكّن اسرائيل من الاستيلاء على أملاك الفلسطينيين -الذين هجّروا أثناء النكبة ومنعوا حق العودة أو الذين منعوا عن الوصول لها بسبب جدار الفصل العنصري- وهدمها لبناء المستوطنات بينما يتيح قانون العودة الإسرائيلي حق الجنسية والمواطنة لأي يهودي في أنحاء العالم من أبرز الأمثلة لا على عدم ديمقراطية اسرائيل فقط بل على عنصريتها. منها أيضاً قانون المواطنة الذي يمنع لم شمل العائلات من الداخل الفلسطيني والضفة الغربية وغزة. مثلاً يمكن لفلسطيني من حيفا أن يتزوج من فلسطينية من رام الله ويقيم معها في الضفة ولكن من الصعب أن تقيم هي معه في حيفا، وإذا حصلت على حق الإقامة فذاك هو كل ما تحصل عليه وتحرم بالمقابل من أي حقوق أساسية، كما أنها ستواجه خطر الإبعاد أو رفض تجديد إقامتها؛ بل أن التعديلات على هذا القانون منعت الفلسطينيين من تقديم طلبات لم الشمل وتصاريح الإقامة. أما بالنسبة لفلسطينيي غزة فإنه من الصعب جداً السماح لهم بزيارة أراضي ٤٨ أو حتى الضفة الغربية -التي من المفترض أن تكون دولة مستقلة ذات سيادة!-
يحكي تيسير الخطيب في فيلم تصريح العرس لشهد بني عودة عن خياراته عن الانتقال من عكا إلى جنين مع زوجته أو الهجرة إلى الخارج قائلاً: “اللي بيمنع موقف مبدئي مني أنا. إنو إذا أنا بديش أحارب معناه اللي معندوش الإمكانية إنو يحارب شو يسوي؟ يرحل. شو سويت أنا بهالحالة؟ يعني عملياً أنا منحت الدولة أو منحت اسرائيل اللي بدها إياه: تهجير عيلة كاملة. الإمكانية قدامي بس إني أقاوم.”
لكن حتى حق المقاومة قد يسلب من تيسير؛ حيث تتيح خطة تبادل الأرض والسكان نقل الفلسطينيين في ٤٨ إلى الضفة الغربية دون موافقتهم لتحقيق “النقاء العرقي” وهو نفس السبب الذي استعمل لتبرير حبس طالبي اللجوء الأفارقة في خيام في صحراء النقب لمدد لا محدودة.
إن هذه القوانين منافية لحقوق الإنسان التي تدعي اسرائيل تطبيقها، لكن الإسرائيليون يعلمون ذلك مسبقاً؛ فقد برر القاضي أشير غرونيس قانون المواطنة العنصري بقوله: “إن حقوق الإنسان ليست وصفة للانتحار القومي.”
فكيف تكون دولة إثنو-دينية قائمة على التطهير العرقي والفصل العنصري دولة ديمقراطية؟

اسرائيل ليست مجرد نظام فصل عنصري

عطفاً على ما سبق، من الواضح أن اسرائيل ليست ديمقراطية وأنها أشبه ما تكون بنظام فصل عنصري؛ وهو النموذج الرائج لتوصيف اسرائيل في السنوات الأخيرة. لقد نجح هذا النموذج من خلال مقارنة نظام الاحتلال الاسرائيلي بنظام الفصل العنصري السابق في جنوب أفريقيا على الحصول على بعض التعاطف من الغرب والذي كان غالباً على شكل انتصارات لحملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات. وبالرغم من جاذبية ونجاعة هذه المقارنة لكنها ليست دقيقة بالكامل. اسرائيل أكثر من مجرد نظام فصل عنصري.
إن حل مشكلة الفصل العنصري بين اليهود الإسرائيليين والعرب الفلسطينيين تكون بإيقاف التمييز ومنح حقوق المواطنة بالتساوي لجميع “مواطني” اسرائيل. أي الاعتراف بشرعية وجود دولة الاحتلال والتوقف عن النضال لإنهاء الاحتلال والإكتفاء بمطالبتها أن تعامل فلسطيني ٤٨ كاسرائيليين وهو ما نرفضه كفلسطينيين. ثانياً، فإن اسرائيل تحتل بالإضافة إلى أراضي ٤٨ -التي تعرّفها وتعترف بها الأمم المتحدة كدولة اسرائيل- جزء من أراضي ٦٧ وتسيطر على الضفة وتحاصر غزة، قد يصح إذاً تسمية نظام اسرائيل بنظام الفصل العنصري في الداخل الفلسطيني لكن احتلالها لبقية المناطق يتعدى ذلك. إن الاحتلال الاسرائيلي نظام استيطاني وإجرامي يستند على التطهير العرقي والتهجير والتشريد للسكان الأصليين.
إن استغلال وضع فلسطيني ٤٨ بهدف التشكيك في عدالة وديمقراطية اسرائيل هو نهج خاطئ وإن تم تبنيه بنية سليمة. غايتنا هي تفكيك وإنهاء الاحتلال لا تحقيق العدالة للمستعمَرين بمساواتهم بالمستعمِرين.

اسرائيل أيضاً ترفض السلام

“فالعالم كله يسمع أن اسرائيل تطالب بالمفاوضات معنا. العالم كله يعتقد أن ذلك يعني ببساطة أن اسرائيل ترغب في “التفاهم” معنا، ونحن بدورنا نرفض المفاوضات رفضاً باتاً والعالم يعتقد أن ذلك يعني ببساطة أننا نرفض “التفاهم”. المحكمة تضعنا في قفص الاتهام مقدماً باعتبارنا دعاة حرب. المحكمة تبرئ اسرائيل مقدماً باعتبارها داعية سلام. لا أحد يريد أن يصدق أن طلب المفاوضات ليس دائماً دعوة للتفاهم. لا أحد يريد أن يتذكر أن القاتل قد يترك بطاقته الشخصية متعمداً بجانب ضحيته لكي يجعل أمر اتهامه -ببساطة- أمراً غير معقول … إنه لن يخطر ببالك قط أن اسرائيل الصغيرة التي تصرخ بأعلى صوتها في طلب المفاوضات هي في الواقع الطرف الوحيد في نزاع الشرق الأوسط الذي لا يملك ما يقوله على مائدة المفاوضات.” -الصادق النيهوم
اسرائيل ترفض السلام فعلاً. إن السلام الذي تدعو له اسرائيل هو وهم لا يمكن تحقيقه. تريد اسرائيل من الفلسطينيين والعرب أن يتنازلوا ويتنازلوا أكثر وبالمقابل لا تتنازل هي عن شيء وتتعنت في كل شيء ثم تحتج بأنهم إرهابيون لا يريدون السلام ويهوون الحرب والدماء.
إن تصريحات نتنياهو الأخيرة عن التزامه بعدم إخلاء أي مستوطنات في الضفة الغربية، وتمسك الحكومة الإسرائيلية بتعريف اسرائيل كدولة يهودية والقدس عاصمتها ورفضهم رفضاً باتاً حق العودة للاجئين تبين عدم جديتهم في الرغبة بالسلام.
ولقد رفضت اسرائيل مبادرات سلام عربية سابقاً. في مارس ٢٠٠٢ وخلال مؤتمر القمة العربية اقترح الملك عبدالله بن عبدالعزيز -ولي العهد حينها- ما عرف بمبادرة السلام العربية والتي توفر لاسرائيل العلاقات الطبيعية والأمن مقابل الانسحاب من أراضي ٦٧ والاعتراف بالدولة الفلسطينية وعودة اللاجئين. رفض رئيس الوزراء شارون المبادرة فور إعلانها. وفي اليوم التالي اجتاح رام الله وحاصر مقر الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ثم اجتاح جنين وتبعها بمدن فلسطينية أخرى وارتكب ما ارتكب من مجازر. فهل يدل ذلك على رغبة اسرائيل في السلام؟
حتى “العدالة” العربية والدولية المجحفة بحق الفلسطينيين هي مرفوضة من قبل اسرائيل.

“لماذا صدقت فرضية عدم قدرتنا على هزيمة اسرائيل؟”

تقول القصة أن اليهود احتلوا فلسطين وأن العرب -من باب النخوة والشهامة لا وحدة المصير- قد هبوا لنجدتها وفشلوا. تقول أيضاً أن اسرائيل المدعومة من القوة العظمى في العالم بأسلحتها النووية وتقنيتها المتطورة قد تحولت إلى دولة جبارة لا يمكن هزيمتها. تضيف نسخة منها أن المعارك الدائرة بين العرب واسرائيل منذ ١٩٤٨ حتى اليوم لم تكن ذات جدوى، لذا من الأفضل أن نعترف بالهزيمة وأن نكون “واقعيين” وأن نسارع إلى مصافحة يد اسرائيل الممدودة لنا قبل أن تسحبها، خصوصاً أن القضية هي قضية الفلسطينيين وحدهم وقد قدم العرب لها ما يكفي. هذه القصة هي محض خرافة بالطبع، لكن حتى الخرافات إذا ما كُررت قد تُصدّق.
لقد هزمت اسرائيل من قبل؛ هزمت في ١٩٦٨ وفي ١٩٧٣ وفي ٢٠٠٠ كما صمدت غزة وقاومت العدوان الاسرائيلي في ٢٠٠٨ و٢٠١٢.
لكن الانهزاميون لا يعرفون من تاريخنا إلا هزيمة ١٩٦٧!
يشرح نايف السلمي في ورقته “في العودة إلى فلسطين العربية” انتشار هذه الخرافة: “حين فشل النظام الرسمي العربي في إدارة معركته مع اسرائيل حاول أن يصنع حالة (نحن أولاً) في كل قطر عربي. إنه تبرير للفشل في المعركة لا ابتكار مسار نجاح جديد. كان السادات من خلال كامب ديفيد الأولى هو عراب هذا المسار وأول سالكيه، وبالرغم من ردة الفعل العربية الأولى ضده التي تمثلت في طرد مصر من الجامعة العربية ونقل مقرها إلى تونس، إلا أن هذا المسار قد توزع مع الزمن على العرب … وبشهادة الواقع لم تصبح هذه البلدان بأحسن حالاً بمثل هذه الشعارات، بل أنها مُنيت بالهزائم على مستويات التنمية والديمقراطية وحقوق الإنسان والتحديث الاقتصادي، وكأن الفشل هو النتيجة الحتمية لاختلاق (نحن وهمية) على حساب (نحن الحقيقية) فراراً من مواجهة الهزيمة وتحمل أعباء موقف تاريخي.”
إن هذه القصة/الخرافة مثيرة للتعجب فعلاً لكثرة مغالطاتها.
١- لا يجهل من يزعم انهزامنا المتكرر انتصاراتنا فقط، بل يجهل أن أي جيش نظامي عربي لم يحارب اسرائيل منذ عقود، لقد هزمنا لأننا لم ندخل الحرب.
٢- حركات المقاومة هي فقط من حاربت اسرائيل خلال العقود الأخيرة؛ فإذا كانت هذه الحركات بأعدادها القليلة نسبياً وأسلحتها التي لا تضاهي الآلة العسكرية الاسرائيلية قد أحرزت انتصارات عسكرية على اسرائيل، لم لا تستطيع الجيوش العربية فعل ذلك؟ ألانشغالها بقمع شعوبها؟
٣- إن كانت مقاومة اسرائيل المزعومة هي سبب تردي أوضاعنا الاقتصادية والسياسية والعلمية وغيرها، فلما تعاني مصر والأردن من هذه الأزمات وهما قد وقعتا اتفاقيات سلام مع اسرائيل منذ سنوات؟ وكيف يفسر تطور اسرائيل الاقتصادي والتقني والعسكري والعلمي إذاً، وهي الطرف الثابت في كل هذه الحروب؟
٤- فلسطين ليست قضية الفلسطينيين وحدهم. اسرائيل تحتل أراض عربية غير فلسطينية كالجولان السوري ومزارع شبعا اللبنانية والجزر السعودية، كما أنها قد انتهكت سيادة الدول العربية مراراً وتكراراً ومن الأمثلة على ذلك هي عمليات الاغتيال التي نفذتها في بيروت وتونس والإمارات.
لقد جربنا المفاوضات والمبادرات والاحتفاظ بحق الرد وعمليات التطبيع الرسمية وغير الرسمية وفشلنا. لماذا لا نجرب المقاومة إذاً؟

لماذا المقاومة -بكل أشكالها- هي الحل؟

بعدما وضحنا أن اسرائيل هي استيطان واحتلال يتخذ من قمع وتشريد الفلسطينيين -السكان الأصليين- منهجاً، وأنها لا تريد ولا تقبل السلام وإن قبلناه، فإن الحل الوحيد المتبقي هو المقاومة.
والمقاومة هنا ليست مجرد حق لنا، بل هي واجب. يتحدث عزمي بشارة في إحدى محاضراته أن عدم قدرة المقاومة على الانتصار الكامل والنهائي على الاحتلال الاسرائيلي لا يعيبها؛ إذ أنه ليس المطلوب من المعتدى عليه أن ينتصر بالضرورة بل أن يقاوم. إن الحرب قد فرضت عليه ولم يخترها.
“من الغريب اعتبار القنابل إرهابية عندما تنفجر على الأرض، ومشروعة عندما تسقط من السماء.” – من رسالة مواطنة فرنسية إلى جورج وهيلدا حبش في ١٩٩٢
من المهم أن لا نتبنى الفكرة التي تروج لها البروباغندا الغربية الداعمة للصهيونية والتي تطلق على كل مقاومة مسلحة إرهاباً. إن مقاومة العدو المحتل عسكرياً وسياسياً وثقافياً هو واجب وطني وقومي وأخلاقي. كما أن المقاومين الفلسطينيين لطالما حاولوا اجتناب إيذاء المدنيين بقدر المستطاع. يقول جورج حبش: “كنا نتمنى لو أننا نستطيع تحرير أرضنا دون إراقة دماء، ولكن اسرائيل لم تكن مستعدة لتمنحنا حقوقنا بمثل هذه السهولة.” لقد قامت الجبهة الشعبية باختطاف ٤ طائرات في ١٩٧٠ وباحتجاز ٣٠٠ صحفي غربي في فندق الأردن في نفس السنة بلا أن تسال قطرة دم واحدة. بالمقابل تقصف اسرائيل المدنيين وتقتلهم بشكل مستمر وعشوائي، بل أن بعض ضحايا العمليات التي قامت بها المقاومة الفلسطينية قُتلوا من قبل اسرائيل في أكثر من مناسبة كما في عنتيبي في ١٩٧٦ مثلاً. لقد ركزت عمليات المقاومة على التخلص من مجرمي الحرب وعلى أسر رهائن إما لجذب الانتباه إلى القضية الفلسطينية كما في عمليات خطف الطائرات التي انتهجتها الجبهة الشعبية لعدة سنوات أو لمبادلتهم بأسرى. وتلك العمليات التي قامت بها فصائل مختلفة لاختطاف واحتجاز رهائن على مدى العقود لمبادلتهم بأسرى دليل بارز على اهتمام المقاومة بالإنسان لا القضية فقط، وأنها لا تزدري جنودها ولا تنظر لهم كمجرد وسائل لتحقيق غاياتها كما يزعم بعض المتصهينين العرب.
لكن مشكلة المطبعون والمتصهينون ليست مع المقاومة المسلحة وكونها إرهاباً فقط، وإلا لرأيناهم يدعمون أشكال المقاومة الأخرى. لقد تميز الفلسطينيون بإبداعهم الدائم لوسائل احتجاج ومقاومة جديدة.
حملات المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، المقاطعة الأكاديمية لاسرائيل، ومناسبات كأسبوع الأبارتهايد الاسرائيلي، يوم الأرض، ومبادرات مثل برافر لن يمر، وارفض شعبك يحميك، والحب في زمن الأبارتهايد، والإضرابات المستمرة عن الطعام من قبل الأسرى، ومسيرات ومبادرات العودة وإعادة إعمار وبناء القرى المهجرة والمدمرة كمسيرة العودة إلى لوبية وإعمار باب الشمس، وهدم أجزاء من جدار الفصل العنصري كما فعل شباب منطقة أبو ديس وغير ذلك من وسائل المقاومة السلمية، هل يعترف بها وبشرعيتها العالم والمتصهينون العرب؟
لا، بل تم وصف بعضها كحملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات بتهم كالمعاداة للسامية وبسعيها إلى القضاء على اليهود.
لكن اعتراف العالم بشرعية مقاومتنا ليس ولا يجب أن يكون الهدف. لا يقاوم المرء كياناً ما عبر اتباع قوانينه أو انتظار الحصول على مباركته.
كما أننا لا نحتاج من اسرائيل أن تقصف غزة أو تقتل شباباً من مخيم بلاطة لنبرر مقاومتنا لها. إن محض وجود الاحتلال على أرضنا هو دافع للمقاومة … إن انتهاكات اسرائيل اليومية لحقوق الفلسطينيين هي سبب لمقاومتها. بالتالي، لا معنى للوم حماس على قصف اسرائيل لغزة بحجة أنها “استفزتها”. طالما بقيت اسرائيل تحتل فلسطين، أي شبر من أرض فلسطين، فإن مقاومتها -بكل الوسائل المتاحة والممكنة- هي شرعية وواجبة.

عن الواقعية والتطبيع والسلام وأهمية المصطلحات

صدرت عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ورقة في ٢٠١٢ بعنوان “زيارة القدس تحت الاحتلال: دعم للصمود أم تطبيع؟” تذكر الورقة أن كلمة تطبيع (بمعنى تحويل العلاقة بين دولتين من حالة خلاف أو حرب إلى علاقة طبيعية) قد أصبحت كلمة-قيمة في حد ذاتها -قيمة سلبية في هذه الحالة-؛ مما اضطر المطبعين إلى استبدالها بكلمات وعبارات أخرى كعملية السلام مثلاً. إن التوصيف الصحيح لكل ما له صلة بقضيتنا ورفض المصطلحات التي تروج لها البروباغندا الصهيونية هو عمل ذو قدر كبير من الأهمية. إن معرفة التاريخ والحرص على امتلاك ذاكرة جمعية واعية هو فعل مقاومة. إن العرب الفلسطينيين في ٤٨ ليسوا عرب اسرائيل، وجيش الاحتلال ليس جيش دفاع، ومحاولة اسرائيل شرعنة جرائمها من ٤٨ حتى اليوم ليست سعياً منها للسلام. كما أن الدعوة للاستسلام للمستعمِر بدعوى الواقعية والعقلانية وبدعوى أن المقاومة ورفض التطبيع هي مجرد شعارات “قومجية” فارغة هي محض وهم. الحقيقة أن من لا يرى اليوم -بعد مرور أكثر من عقدين على أوسلو وسنوات من المفاوضات المستمرة واللا مجدية- فشل “عملية السلام” الذريع هو الواهم. إن توقع تنازل المظلوم الكامل للظالم عن كل حقوقه ومن ضمنها الاعتراف بالظلم والاعتذار عنه هو لا منطقي وغير واقعي.
لقد تمادت مؤخراً الدعوات والمبادرات للتطبيع من قبل القيادات العربية السياسية والدينية على حد سواء من إعلان محمود عباس عن عدم أحقيته في العودة إلى مدينته صفد لأنها في اسرائيل ودعوته عن الامتناع عن مقاطعة اسرائيل وإلى زيارة القدس دعماً لصمود المقدسيين إلى إبطال علماء مسلمين فتوى اتحاد علماء المسلمين التي تحرم زيارة القدس تحت الاحتلال في مؤتمر الطريق إلى القدس الذي انعقد في الأردن مؤخراً وزيارة البطريرك الماروني بشارة الراعي المرتقبة بهدف “تفقد رعيته” والذي -ويا للمفارقة- وجه له المقدسيون نداء للامتناع عن زيارتهم دعماً لنضالهم، وقبل هذه الزيارة كانت زيارات الشيخين علي جمعة وحبيب الجفري.
لكن مقابل هذه الدعوات مازال الجيل الثالث أو الرابع من الفلسطينيين يؤكد أن الكبار ماتوا لكن الصغار لم ينسوا ولم يتقبلوا الخيانة كوجهة نظر بعد. لقد أحيينا منذ أيام الذكرى السادسة والستين للنكبة وقد استشهد فيها شابين، بينما يستمر المعتقلين الإداريين وغيرهم في سجون الاحتلال بالإضراب عن الطعام احتجاجاً ومقاومة، وتشتعل فلسطين بالمظاهرات والمسيرات دعماً لهم. إن مقاومتنا -الشرعية والواجبة- مستمرة اليوم ككل يوم منذ النكبة الأولى.