رسالة لم تصل إلى يوسف فتح الله – عبدالرحمن منيف

مهمة كبيرة وخطيرة، ليكن الله في عونك، ومع ذاك تستحق المجازفة؛ لأن أهم مشكلة تواجه المنطقة العربية في الوقت الحاضر هي حقوق الإنسان. ما دامت هذه الحقوق غائبة، غير معترف بها، سيبقى الإنسان العربي مكبلاً عاجزاً. وسيبقى الوطن بالتالي مجرد مساحات جغرافية خاوية، والبشر فيه مجرد أرقام تماثل الأشباح. وسيكون الحكام مهما بلغ بطشهم دمى خائفة، معزولة، مثيرة للسخرية. وكل هذا يشكل خسارة للوطن؛ لأن وطناً بلا بشر أحرار لا يعني شيئاً هاماً في مقاييس الزمن الذي نعيشه.

أنت الآن تتصدى لمشكلة بالغة الأهمية وطبيعي أن تُقابل بعدم الفهم، بالإنكار، وربما بالإضطهاد، خاصة من الأنظمة؛ فالحاكم العربي اليوم لا يحتمل أية مناقشة، ولا يقبل أي رأي مختلف، فما بالك وأنت تحاول أن تنتزع منه شيئاً يعتبره حقاً خاصاً، أبدياً ومقدساً؟

ليس هذا فقط، إن قسماً من الذين نذرت نفسك للدفاع عنهم، لاستخلاص حقوقهم، لن يفهموك. وحتى الذين يفهمونك لن يستجيبوا بسهولة لدعوتك وقد يبلغ الأمر ببعضهم لمعاداتك! ستبقى، وربما لفترة طويلة، في وضع لا تحسد عليه نتيجة الخوف وسوء الفهم وعدم إمكانية التواصل، خاصة و أن الذين ”أدمنوا” العبودية لا يدركون ماهية الحقوق التي تنادي بها.

العزيز يوسف… تتذكر الأحلام الكبيرة التي ملأت أيامنا منذ الخمسينات، لقد تبددت هذه الأحلام كلها، وأصبحنا الآن مثل دون كيشوت، نحارب أوهامنا، خاصة بعد أن انعزلنا عن الناس و بعد أن خارت قوانا.

العلة فينا يا يوسف لأننا لم نفعل شيئاً صحيحاً في وقته. فعندما كانت الديمقراطية حلاً وكانت بداياتها موجودة لم نفطن لأهمية هذا العلاج ولم نؤيد هذا الحل. كما أننا تخلينا عن الناس، ترفعنا، فقد كنا نعتبر أن الأمور واضحة ولا تحتاج إلى البراهين. وهكذا ابتعدنا ثم انعزلنا، إلى أن اكتشفنا متأخرين أننا لم نعد مفهومين.

إن الناس والقضايا مثل مياه النهر، تتغير بإستمرار، وما لم يكن الإنسان قريباً من الناس فسوف يفقد التواصل ويعجز عن الإقناع.

لم يقتصر الأمر على ذلك. لم نتحرك في الوقت المناسب للدفاع عن الأمور الأساسية: الدفاع عن القانون وحكم القانون، لم نفضح سارقي الثورة والثروة، لم نقف في وجه الإرهاب والقمع، لم نحشد الناس للدفاع عن كرامتهم و حقهم في الخبز والحرية، واكتفينا بالمراقبة والانتظار إلى أن خربت البصرة كما يقال وبات الإصلاح أقرب إلى المستحيل.

فكر جيداً يا يوسف بالصيغ العلمية لأن الشعار وحده لا يكفي، وفكر بالناس: كيف يمكن أن تقترب منهم، أن تجعلهم يحسون أنك معهم. إن ذلك لن يتم إلا بتبني مطالبهم، بالتصدي لكل من يعتدي عليهم. وبهذه الصيغ تخلق حولك سياجاً يقيك شر الحاكم، أو على الأقل يرد عنك جزء من أذى الذين لا يتفقون معك.

مرة أخرى: كل التمنيات بالنجاح، وأردد ما قاله أحد الصحابة: اللهم أعطني ظهراً قوياً ولا تعطني حملاً خفيفاً.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s