خطاب العرش – عبدالرحمن منيف

شعبي العزيز.
من صميم الفؤاد نحييكم تحية الحب والوداد، تحية حارة مفعمة بكل مشاعر التبريك والعطف، سائلين المولى بنا اللطف!
وبعد
فإننا نشكركم على احتفالاتكم الودودة الصادقة بمناسبة عيد جلوسنا الثالث والخمسين (تصفيق حار،هتافات: عاش ملك الملوك .. عاش، عاش) نشكركم مرة أخرى بصدق، ونقول لكم والتأثر العميق يملأ صدورنا، إن التفافكم حول عرشنا وتعلقكم الشديد بشخصنا، في هذه الظروف العصيبة التي تمر بها البلاد، بعد الهزيمة التي لحقت بجيوش جلالة الملك في الحرب الأخيرة؛ إن هذا الحب الذي نلمسه في عيونكم، والمودة التي تملأ قلوبكم، دفعتنا إلى اتخاذ بعض الإجراءات المفيدة للشعب؛ وإننا بُعيد جلوسنا هذا نزف إليكم البشرى التالية، والتي أمرنا رئيس وزرائنا أن ينفذها فور إلقائنا لهذا الخطاب التاريخي.
(هتافات: عاش الأب الرحيم المحسن، يسقط الجلاد، نريد الاستقلال، الموت الزؤام للقمان آغا ومساعده)
البشرى يا شعبي العزيز:
بعد أن فكر المليك طويلا، وقدر ماضي الأمة ومستقبلها، اتكل على المولى العزيز، وقرر ما هو آت:
أولا: يلغى الرق في جميع أرجاء المملكة، ابتداء من هذه الثانية، ويعتبر جميع رعايانا أحرارا طلقاء.
ثانيا: على جميع الأرقاء أن يكفوا نهائيا عن أن يكونوا رقيقا .. إلا لله مالك كل شيء.
ثالثا: على كل مالك رقيق أن يعتق رقيقه ولو بحبة قمح.
(تصفيق طويل .. ةصراخ .. وهتافات: عاش أبو الفقراء .. لا عبودية في ظل الملك المفدى .. ولا حرية الرعاع .. الموت للجلادين سارقي قوت الجماهير .. نريد الملابس ورأس لقمان آغا وأنور أفندي)
شعبي العزيز جدا.
إننا نقدر مشاعركم وحسن إدراككم، ونود أن نصارحكم أننا بذلنا خلال الثلاث والخمسين سنة الماضية، كل ما في وسعنا من أجل خدمتكم وتأمين أرواحكم ورزقكم، لقد بذلنا جهودا لا يستطيعها بشر، وسوف نظل نبذلها إلى يوم الحشر: كل ذلك بطيب خاطر، وبدوافع إنسانية نبيلة ولغايات بعيدة النظر عميقة الأثر، لنجعل من المملكة قلعة للإخاء وملاذا للفقراء ومثلا تقتدي به الأمم، صغيرها وكبيرها، قريبها وبعيدها، نقول هذا ونفوسنا تفيض بالخير والبركة ومطامحنا تتزايد من أجل أن يمد الله بعمرنا ويرفع من قدرنا حتى نقدم الخدمات ونكثر الجهود والصدقات لجماهير الأمة في السنوات القادمات.
(هتافات: نريد الخبز، نريد النوم، عاش الملك، عاش الملوك، يسقط أنور ابن عم النخلة وسارق الزبيب)
شعبي العزيز،
درجت العادة في مملكتنا المزدهرة، أن نتقدم في عيد جلوسنا ببرنامج الحكومة الموقرة الرشيدة التي كلفناها بإرادة سامية من الدرجة الأولى، لتسيير دفة الأمور في البلاد خلال المرحلة القادمة، وأعطينا لرئيس وزرائنا المفخم جدا توجيهات سنية، وطلبنا إليه، أو بالأرجح أمرناه، القيام بما يلي:
(هتافات: نطلب السكوت. عاش .. عاش الملك، يسقط الجلاد الطاغية. إلى الثورة .. إلى الثورة)
شعبي العزيز جدا.
لقد قلنا لكم في عيد جلوسنا الثلاثين .. الخامس والثلاثين .. وربما الأربعين، أن حكومتنا تحتاج إلى الوقت والهدوء، من أجل إنجاز مشاريع الإعمار في جميع أرجاء البلاد، وهذا القول الذي قلناه قبل أربعين عاما ما زال صحيحا جدا، وساري المفعول أيضا، وقد أمرنا رئيس وزرائنا المفخم جدا، كما ذكرنا، ان يؤكد على ذلك في مرسوم جديد، حددناه قبل عيد الفطر المبارك، أعاده الله علينا وعليكمن وعلى سائر المسلمين بالخير واليمن والبركة .. اللهم آمين .. وبعد
(هتافات: اسرقوا قوت الشعب يا قتلة، عاش .. عاش الملك أبو الأيتام .. اقتلوا لقمان .. اقتلوه)
ذكرنا لكم في بداية خطابنا التاريخي السابق أن مملكتنا لا تعاني، ولله الحمد مثل البلاد المجاورة، وحتى غير المجاورة، من المصائب والآلام؛ أما بخصوص انقطاع المطر، فقد قمنا بصلاة الاستسقاء يوم الجمعة الفائت، ولا شك أنكم رأيتم جلالة مليككم المفدى، والجموع تلتف من حوله، وتحمله على الأعناق، واللوم في ذلك يقع على وزير الإفتاء، فضيلة الشيخ زهدي آغا، الذي كان غبيا جدا، ولم يختر الوقت المناسب للصلاة، حيث قمنا بها في يوم مشمس حار .. أثّر على صحتنا، بينما كان يجب أن نقوم بصلاة الاستسقاء في يوم آخر، يوم غائم مثلا .. لقد عاقبنا هذا الغبي، وزير الإفتاء، بالطرد المؤبد والإهانة، وحرمناه من مقابلتنا، أو الصلاة في الجامع الكبير، كما منعناه من المرور في الشوارع الرئيسية، حتى الميدان، أثناء النهار، وسوف نعاقب كل وزير يسيء إلى الشعب؛ إن الشعب أمانة في أعناقنا، ونحن عندما أشهدنا الله يوم وفاة والدنا المغفور له، قلنا والدموع تتساقط من مآقينا والألم يحز في نفوسنا، إننا سنخدم هذا الشعب إلى أبد الآبدين، تقربا لله، لا نريد حمدا ولا شكورا، وما زلنا عند الوصية التي وعدنا بصدق وإخلاص وتفان منقطع النظير أن ننفذها بإحكام والشاهد علينا في ذلك رب الأنام، ولكن المصائب التي تلحق بالأمم يجب أن تتحملها، لأنه سبحانه وتعالى يمتحن الصالحين ليعرف الصادقين من المنافقين.
(هتافات: نريد الصمت والخبز والحرية ونهاية الدنيا .. عاش .. عاش)
أما بخصوص الهزيمة العسكرية التي حلت بنا، وأدخلت الحزن إلى قلوبنا، فبعد أن تعمقنا في التفكير وسألنا المنجمين وذوي الرأي والتدبير، انتهينا إلى نتيجة وهي أن للأمم دورات، دورات انحطاط وأخرى صعود، ومن الطبيعي أن لا يستطيع جلالة الملك شرح النظريات المعقدة للجماهير، ولكن كلفنا رئيس وزرائنا أن يطلب من أئمة المساجد وأصحاب المقاهي والحلاقين توضيح ذلك للأنام، وأمرنا أن تخصص ساعة كل ليلة، بعد صلاة العشاء فورا، من أجل شرح النظريات الحديثة للأئمة، وأكدنا ذلك بتكليف ملكي سام، صدر عن بلاطنا العامر، وقلنا فيه إن جلالة الملك المفدى سيقوم بزيارة بعض المساجد زيارات مفاجئة، بل سيداهمها، ليتأكد بنفسه من حسن تنفيذ الأمر .. إن الأوامر الملكية يجب أن تنفذ بدقة صارمة.
يا شعبي العزيز ..
أبلغكم أيها الأخوة الأعزاء إلى قلبي، أن التكليف الملكي المشار إليه أعلاه تضمن أن يقوم الرجال بنقل ما يسمعون إلى الزوجات والأمهات، كما أكدنا على أن على الرجال نقل هذه الأفكار الثمينة، إلى العجزة والمقعدين ومشوهي الحرب، وكل من لا يستطيع الحضور إلى الجوامع لأداء فؤيضة العشاء، مع أن أداء هذه الفريضة في الجوامع ضرورة كبرى، كما أوصى والدنا المغفور له الملك الراحل.
شعبي العزيز ..
نشكركم على حسن انتباهكم، والآن نبدأ بعرض الأمور الهامة التالية:
أولا: يجب أن يعم الخير جميع أرجاء البلاد، وعلى وزرائنا أن يشمروا عن سواعد الجد والنشاط ويقوموا بالأعمال التالية:
البدء بالعمل فورا، أي بعد انتهاء خطاب العرش السامي، مباشرة.
يلزم بتنفيذ هذا الأمر الملكي كل من له اختصاص
صدر عن بلاطنا العامر في السابع من صفر الموافق التاسع عشر من شباط.
ثانيا: المشروعات تنفذ حسب ضمير الوزراء، وعليهم أن يبلغوا رئيس الوزراء الخطوات التنفيذية، وعلى رئيس وزرائنا أن يرفع إلى مقامنا ما يلي:
كمية الأمطار التي سقطت حتى هذا التاريخ.
كمية الأمطار التي يجب أن تسقط حتى تاريخ عيد جلوسنا القادم.
حاجة البلاد من الخضروات والقمح والزبيب والزيت لنقوم باستيرادها، من الدول المجاورة، قبل أن يحل فصل الصيف اللعين المشؤوم، حيث تذهب الثيران إلى البيادر وتذهب الشعوب المجاورة إلى الدول الأخرى للعمل والتسلية.
سؤال المنجمين والفلكيين بالمملكة، والاستعانة بأمثالهم في الخارج، إن كاننت هزائم جديدة ستلحق بجيوش جلالته لكي تتوقف هذه الجيوش عن التدريب، ولكي نبلغ الأرامل والأيتام بالاستعداد.
على كل مواطن يأتيه ولد ذكر أن يقوم بإبلاغ البلاط بتاريخ الولادة واسم المولود والقابلة التي استولدته، وكل مواطن يتأخر أو يهمل أو يفكر في التهرب من هذا الواجب الوطني الهام جدا، يعرض نفسه لأشد أنواع الإساءة والإهانة والتشهير ويمنع منعا باتا من ركوب الخيل الأصيلة ومن الجلوس في المقاهي.
ثالثا: الخدمات العامة:
على رئيس وزرائنا، المكلف من قبلنا، القيام بوضع شارات على جميع الشوارع والبيوت، وكل شارع يجب أن يحمل اسما جيدا وجميلا، وكل بيت يجب أن يحمل رقما وعلاممة إلى جانب الرقم، صورة أرنب مثلا، وعلى رئيس الوزراء أن ينفذ ذلك خلال بضع ساعات من التاريخ أدناه.
التأكد من وقت إغلاق المحلات التجارية والأفران والحلاقين وعدم النوم في الجوامع ووقف الإساءة إلى البغايا اللواتي يدفعن الضرائب.
الإشراف على سوق الجمعة إشرافا حازما وكذلك محلات بيع الخردوات والملابس القديمة والداخلية ومراقبة مركّبي الأسنان وبائعي اليانصيب والسماسرة، لكثرة الغش والتلاعب الحاصل منهم.
إن مخالفة الأوامر واللوائح والتنظيمات والبلاغات والمراسيم والقوانين وملاحق القوانين والاجتهادات والتفسيرات الصادرة عن أي جهة في المملكة تعرض مخالفها للغرامة وربما للسجن إضافة إلى الإساءة المباشرة، أيها يرى كبير القضاة أنها في مصلحة المملكة، وعلى القضاة أن يبلغوا كبيرهم بذلك، وأي إهمال من قبلهم يعرضهم للحرمان من الزواج والجلوس في مقاهي الميدان والمرور أمام البوابة الكبيرة.
(هتافات قصيرة متعبة .. عاش .. عاش .. اهربوا .. الموت لكل الخنازير وسارقي قوت الشعب .. لقمان .. لقمان)
شعبي العزيز .. بل العزيز جدا ..
ما زال أمامنا الكثير .. إن الوصية التي أوصانا بها المرحوم المغفور له والدنا، المليك الراحل موضوعة فوق عرشنا، نقرأها صباحا مساء، ونتكر كل كلمة فاه بها الفقيد الغالي، ونحاول أن نتصور الكلمات التي قالها منذ كان شابا في ريعان الصبا، وقد عاهدنا الله عز وجل أن نكون مخلصين لهذا الشعب، إننا من الشعب، نخدم الشعب ونموت في سبيل الشعب، وسوف تبرهن السنوات القادمة أننا ما زلنا عند حسن ظن الشعب وسنقدم للشعب الخيرات العميمة والبركات الوفيرة، وتأكيدا لأفكارنا، وتحقيقا لأقوالنا، فقد قررنا أن نقوم، مرة أخرى، بصلاة الاستسقاء، ولكن سنختار اليوم بأنفسنا، بعد التفكير والتبريد وسؤال السغير والكبير، ليهب الله من عونه، لهذه الأمة القمح والشعير. إن الله يعطي الملك لمن يشاء، ويعز من يشاء، وهو على كل شيء قدير .. صدق الله العظيم.
شعبي العزيز ..
بعد هذه المقدمة السريعة، نبدأ الآن باستعراض أعمال الوزارة خلال السنوات العشر المنصرمة، ثم نستعرض الأعمال للسنوات العشر التي تطل علينا مثل هلال العيد .. وبعد ذلك نقدم البرنامج الوزاري، وبعده نقدم توصيات ملكية سامية، من أجل أن تبقى المملكة دائمة الازدهار، ومحط الأبصار، وملكها من طويلي الأعمار.
شعبي العزيز جدا ..
أعمال السنوات العشر المنصرمة:
ما كاد جلالته يبدأ بتلاوة ورقة جديدة، حتى تلقت رقبته صفعة قوية، فوقع عن الكرسي الصغير الذي يقف عليه، وتناثرت الأوراق حوله، وكان القاروش قد خلا نهائيا، ما عدا ذبابة كبيرة خضراء كانت تحوم حول جثة رجل أجريت له عملية، بينما كان االملك يتلو خطاب العرش ..
وبدأ ممرض المصح يلاحق الملك يريد أن يقبض عليه، والملك يركض أمامه بهلع ويصرخ:
شعبي .. شعبي العزيز .. شعبي المهزوم .. أين أنت؟
كان الملك قد تأخر كثيرا ذلك اليوم عن القيام بواجبه في التنظيف ..

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s