حُريّة

ليلتي الثالثة والثلاثون في السجن.
زنزانة لا تتعدّى المترين طولاً وعرضاً لا يشاركني فيها أحد. لم أُكلم أحداً منذ سبعة وعشرون يوماً، أي منذ رُميت هنا شبه ميّت. لستة أيام احتفظت ببعض الأمل. بين الضربات والشتائم ظللت أُخبر نفسي بأنّهم بشر… يلينون، يشفقون، يرحمون، حتى إذا كادوا يقتلونني فرموني في زنزانة انفرادية بدلاً عن غرفة مستشفى أدركت بأنّي مُخطأ. هذا قدري الجديد إذن!
هُنا سأعيش لفترة لا أعلم طولها لكنّي أجزم بأنّها ستكون طويلة.

صحنان من “طعام” يصلانني يوميّاً، إذا صحّ تسمية هذا العجين المليء بالحشرات طعاماً!
منذ طفولتي، كنت ضعيف المناعة، هزيل الجسم، تغزوني الأمراض بسهولة وسرعة وقوّة وتطرحني أخفّها فراشاً … فكيف إذا اقترنت مناعتي الضعيفة بسوء التغذية وإنعدام الأدوية.
لكن السجن يقوّي، ألم يقل نيتشه بأن “مالا يقتلك يجعلك أقوى”؟ كاد السجن أن يقتلني ولم يفعل فأصبحت أقوى. عندما تشعر بالخطر، تصحو رغبتك الفطرية في البقاء، يتواطأ جسدك وعقلك وأرضية زنزانتك ليمدّوك بقوة عظيمة. قوة تُوشك أن تكون قاهرة، لأنّها قوة إنسان لم يعُد لديه ما يخسره .. وهذا أسوأ نوع من الأعداء يُمكن أن يواجهوه.

لن أخرج من هنا قريباً، لن أُرحم، سأُعذب، سأُهان، وسأبقى أيضاً. سأبقى حتى أخرج أخيراً مرفوع الرأس كبطل. لن أخون.
لن أُحرّر نفسي من عذاب السجن لأعيش بقية عمري في عذاب أكبر، في سجن أكبر … مُختبئاً، منبوذاً، ومُحتقراً!
سأصمد! سأبقى! معي الحقّ والحقّ أقوى من الجميع.

أشتاق لأمي، لإخوتي ولأصدقائي، ويشعر الجنود بذلك، يحاولون أن يؤثروا عليّ بذكر معاناة أهلي”ماذنبهم ليعايرهم الناس بابنهم المسجون؟”. لا ذنب لهم، ولا ذنب لي أيضاً. مانديلا قال بأنه لم يختر أن يقدم وطنه ونضاله على عائلته، وأنا لم أختر ذلك أيضاً. لم أملك أبداً أي خيار في هذه الأرض، مثلكم. وعندما وجدت فرصة واحدة لأختار، كان أحلى الخيارين مُرّ. أن أعيش بذلّ وأرضى بالظلم أو أستعدّ للتخلّي عن حياتي في سبيل كفاحي.

تقولون بأنني شخص واحد، تافه، ضئيل، مجنون أو مغرور لاعتقادي بأنّي أستطيع أن أُغير شيئاً. حسناً، ربّما أنتم محقّون، لكنّني سأُحاول على أيّة حال، فالطريق إلى الإجابة هو المحاولة كما قال أحدهم. سأُحاول أن أُمهد طريقاً وعِراً سيسلكه الكثير من بعدي. هم سيستطيعون أن يغيروا إن لم أستطع أنا.
تقولون بأنّني لم أُمضِ الكثير من الوقت في السجن بعد، وبأنّني لابدّ سأستسلم بعد فترة، هُنا تُخطئون.
لقد جربت السجن لواحد وأربعين سنة. عشت خاضعاً، مُنافقاً، مُهاناً في كُلّ لحظة، مُجرّداً من كُلّ حق إنساني أهداني إياه ربّي وحرموني هم منه. الآن على الأقل لم أعد أكره نفسي، لم أعد أجدني مُقرفاً. الآن استحقّيت الحقّ بأن أُحاضر وأُناظر عن النضال ووجوب التضحية وثمن الحريّة.
“إذا لم ندفع ثمن التغيير فسندفع ثمن عدم التغيير”. أُفضّل أنا أن أدفع ثمن التغيير، فماذا تُفضّلون؟

أستيقظ كُلّ صباح متألماً، وحيداً، مظلوماً، ثم أُفكر باختياري، أُفكر “بجريمتي”، وأفرح، بل وأشعر بقليل من الزهو. لمرّة، أقلعت عن الكلام وفعلت، وكان فعلاً يستحقّ كل ما يحدث لي الآن بسببه. لن أُبالغ وأقول بأنّ مشاعر الوحدة والألم -الجسدي خصوصاً- والظلم تختفي، لا إنّها لا تختفي، لكنّها تُصبح أكثر قابليّة لتُحتمل.

أنا هنا لأجلكم أنتم أيضاً وليس لأجلي فقط. لأجل أن تنعموا بحيوات أفضل .. فيها حريّة وعدل وكرامة. لأجل أن يتمتع أبناءكم بحواضر أفضل .. فيها سعادة وأمل ومستقبل مشرق. لأجل أن تعيش بناتكم وأخواتكم مُساوياتٍ لكم.
لكي ترتقوا من مراتب الشحّاذين وماسحي الجوخ إلى مرتبة مواطنين.
أنا هنا لأجل كُلّ واحد فيكم، من أُوافقه ومن أختلف معه. لأتباع ديني وأتباع الأديان الأخرى. مهما كان تيّارك أو حزبك أو منظمتك، أنا هنا لأجلك. تهاجمني؟ تتهمني؟ تخبرني بأنك لا تحتاج دفاعي؟ سأظلّ أدافع عنك بالرغم من ذلك. لن تستطيعوا فعل أي شيء لتمنعوني من الدفاع عنكم، ولن يستطيعوا فعل أي شيء ليمنعوني أن أدافع عنكم.

-مُهداة لخضر عدنان، لمحمد البجادي، لهناء شلبي، لعبدالهادي خواجة، لخالد الجهني، لعلاء عبدالفتّاح، لسمر بدوي، ولكُلّ من سُجن أو مسجون أو سيُسجن دفاعاً عن مبادئه وحقوقه. لوليد أبو الخير ومحمد القحطاني اللذان مُنعا من السفر لأجل نشاطاتهما الحقوقيّة. لكُل حرّ لا يساوم على حريّته ولو وضعوا الشمس في يمينه والقمر في شماله. شكراً لكم جميعاً … عسى أن نردّ الدين يوماً ما.
هديل

وضعوا على فمه السلاسل
ربطوا يديه بصخرة الموتى
و قالوا: أنت قاتل
أخذوا طعامه و الملابس و البيارق
ورموه في زنزانة الموتى
وقالوا: أنت سارق
طردوه من كل المرافيء
أخذوا حبيبته الصغيرة
ثم قالوا: أنت لاجيء
يا دامي العينين و الكفين
إن الليل زائل
لا غرفة التوقيف باقية
و لا زرد السلاسل
نيرون مات، ولم تمت روما
بعينيها تقاتل
وحبوب سنبلة تجفّ
ستملأ الوادي سنابل
محمود درويش

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s