أين تجذف إسرائيل

في ملفات المحاكم الفرنسية حكاية مواطن عادي ارتكب ذات مرة جريمة قتل. زار عشيق امرأته في بيته وكسر رأسه بخمس رصاصات. ترك مسدسه بجانب القتيل. ترك أيضاً قبعته وبطاقته الشخصية .. ذهب بعد ذلك إلى البيت وأخبر امرأته أنه قتل عشيقها وطلب منها أن تبلغ عنه الشرطة. بعد نصف ساعة كان المواطن يدلي بأقواله لوكيل النيابة.

لم يعترف له بجريمة القتل. لم يهتم بالأدلة القاطعة ضده بل جلس في مقعده هادئاً ولفت نظر وكيل النيابة إلى أن المرء لا يقتل أحداً ثم يترك مسدسه وقبعته وبطاقته الشخصية في مكان الحادث، وأن القاتل لا يدبر جريمته في الخفاء ثم يترك عنوانه للشرطة، و أي مواطن في العالم يستطيع أن يكون القاتل ماعداه هو شخصياً..
بعد ذلك استراح في مقعده ولفت نظر وكيل النيابة إلى أن امرأته لم تكن على وفاق تام معه أو مع عشيقها، وأنه من المعقول أن يتصور المرء أن تلك السيدة ارتكبت جريمة القتل وتركت أشياء زوجها في مكان الحادث لكي تضرب عصفورين كريهين بحجر واحد. بعد ثلاثة شهور أثبتت المحكمة جريمة القتل على الزوجة البريئة..

لم يصدق أحد أن زوجها يقتل غريمه ثم يترك له بطاقته الشخصية. لم يصدق أحد أن القاتل الحقيقي يخلف وراءه جميع هذه الأدلة القاطعة .. كان من الواضح بالنسبة للقضاة أن الأمر كله دسيسة مفضوحة ضد الزوج الطيب القلب وكان من الواضح بالذات أن الدسيسة مفضوحة جداً. بعد عشرين عاماً اعترف الزوج بلعبته البسيطة التي ضحك بها على ذقن العدالة وانتقم بها من غريمه وترك المحكمة تنتقم له من امرأته وخرج من المذبحة دون أن يصاب بخدش .. إننا غالباً لا نصدق أعيننا عندما نرى اللص يحمل شمعة بل نبادر إلى تحيته باعتباره واحداً من الجيران. فلماذا أحدثك عن القتلة واللصوص؟

لأني أريد أن أحدثك عن اسرائيل..

وأريد أن أضع اصبعك على اللعبة البسيطة والمدهشة التي تمارسها هذه الدولة وتضحك بها على ذقن العالم في وضح النهار. فأنا أحس أن خدعة المواطن الفرنسي الذي ترك بطاقته الشخصية بجانب ضحيته ليبعد الشبهة عن نفسه هي بالضبط الخطة المفضلة الآن في اسرائيل والمتمثلة في إصرارها على المفاوضات مع العرب..
إنني لن أدخر وسعاً لكي أثبت لك وجهة نظري بالتفصيل.

فالعالم كله يسمع أن اسرائيل تطالب بالمفاوضات معنا. العالم كله يعتقد أن ذلك يعني ببساطة أن اسرائيل ترغب في “التفاهم” معنا .. ونحن بدورنا نرفض المفاوضات رفضاً باتاً والعالم يعتقد أن ذلك يعني ببساطة أننا نرفض “التفاهم”. المحكمة تضعنا في قفص الاتهام مقدماً باعتبارنا دعاة حرب. المحكمة تبرئ اسرائيل مقدماً باعتبارها داعية سلام. لا أحد يريد أن يصدق أن طلب المفاوضات ليس دائماً دعوة للتفاهم. لا أحد يريد أن يتذكر أن القاتل قد يترك بطاقته الشخصية متعمداً بجانب ضحيته لكي يجعل أمر اتهامه -ببساطة- أمراً غير معقول. إنني لا أريد أن أثقل عليك بإطالة النقاش في هذه النقطة ولكني أحتاج أن ألفت نظرك إلى أنك أنت أيضاً سوف تصدر نفس الحكم الجائر لو كنت تراقب قضيتنا من منصة القاضي أو مقاعد المتفرجين المحايدين. إنه لن يخطر ببالك قط أن اسرائيل الصغيرة التي تصرخ بأعلى صوتها في طلب المفاوضات هي في الواقع الطرف الوحيد في نزاع الشرق الأوسط الذي لا يملك ما يقوله على مائدة المفاوضات .. إنني أدعوك لنقاش هذه الحقيقة المفاجئة بالتفصيل.

فدعنا نفترض أن اسرائيل ليست مشكلة تخصنا في الشرق الأوسط بل مشكلة تخص غيرنا. دعنا نفترض مثلاً أنها مقامة في وسط ولاية تكساس وأنها تقف في حالة حرب مع الشعب الأمريكي وتطالبه بالجلوس للتفاهم معها على مائدة المفاوضات..

أغلب الظن أن الشعب الأمريكي المحب للسلام سوف يبادر إلى تلبية هذا الطلب. أغلب الظن أن الرئيس نيكسون الذائع الصيت لن يرفض -مثلنا- الكلام مع اسرائيل بل يسارع إلى دعوة أبا إيبان لزيارة واشنطن ويقتسم معه زجاجة من الويسكي ويتفاهم معه أيضاً.

نحن لا يهمنا الويسكي ولكنّا نتمنى أن نعرف كيف يتفاهم الرئيس مع أبا إيبان، ماذا يقول له لكي يقنعه بحسن نواياه؟

هل يوافقه على أن الإنسان اليهودي ورث ولاية تكساس عن والده السماوي؟ هل يوافقه على أن الإنسان اليهودي يملك الحق في الاستيلاء على بيت مخلوق آخر؟ هل يوافقه على أن أساطير التوراة سبب وجيه للتفرقة بين إنسان وآخر؟ .. هل يوافقه على أن المواطن الأمريكي لا يملك الحق في أن يكسب قوت عياله من ولاية تكساس؟ هل ثمة فرصة “للتفاهم” مع رجل يعتبرك مقدماً أقل منه إنسانية لمجرد أنك لست يهودياً؟..

أغلب الظن أن الرئيس نيكسون لن يتفق مع صديقه حول هذه النقاط. أعني على الأقل من باب الكرامة الإنسانية وحدها، فالصديق الذي يعتبرك خارج دائرة شعب الله المختار لا يمنحك في الواقع فرصة للإبقاء على صداقته. وأغلب الظن أن أبا إيبان لن يعتذر عن هذه الإهانة لأن الاعتذار هنا يعني في الواقع اعتذاراً عن قيام اسرائيل نفسها. وأغلب الظن أن الصديقين المحبين للسلام سوف يفترقان على نية الحرب وأن الرئيس نيكسون -رغم كل مواهبه في إيجاد الحلول- لن يجد حلاً لمشكلة اسرائيل سوى الحرب .. أعني لن يجد سوى الحل الذي وجده العرب البسطاء ولن يتردد إذ ذاك في رفضنا جميعاً -باعتبارنا قضاة مخدوعين- إذا أصدرنا ضده حكماً بالإدانة. إن الرئيس نيكسون نفسه لا يستطيع أن “يتفاهم” مع اسرائيل؟..

ومع ذلك فإنه يدين العرب من محكمته العاجية.

يتهمهم بالدعوة إلى الحرب، يسخر منهم في خطبه المتقنة الصياغة. يبدي دهشته من رفضهم للتفاهم مع اسرائيل. يخدع نفسه بوهم مؤداه أن اسرائيل لا تطالب بالمفاوضات إلا لأنها ترغب في التفاهم معنا وتثق ببرائتها من التهمة. وينسى أن القاتل قد يترك بطاقته الشخصية في مكان الحادث لمجرد الرغبة في التمويه. إن الرئيس نيكسون يستطيع أن يكتشف هذه الحقيقة بدون عناء إذا جرب ذات مرة أن يقول لنا ما الذي يمكنه أن يفعله لو أن اسرائيل أقيمت في ولاية تكساس أو ما الذي يمكنه أن يفعله لو أن والدته الفاضلة ولدته في فلسطين رئيساً على المقاس.

لو أن الرئيس نيكسون رجل فلسطيني لفهم بنفسه -ودون جهد يستحق الذكر- أن اسرائيل التي طردته من بيته لمجرد أنه لا يتحلى بالديانة اليهودية دولة مقيدة إلى فكر عنصري متزمت، وليس بوسعها أن تتنازل عن شبر واحد منه، وليس بوسعها أن تتفاوض فيه مع أحد، وأن الدعوة للمفاوضات بالذات مجرد خدعة عقلية محضة .. لكن الرئيس نيكسون ليس رجلاً فلسطينياً، واسرائيل ليست مقامة في ولاية تكساس .. والقاتل ترك بطاقته الشخصية في مكان الحادث وقضاتنا يعتبرونه بريئاً لأنهم لم يعرفوا قط أنه فعل ذلك متعمداً.

فدعنا ننقل اسرائيل إلى أي مكان آخر .. دعنا نحملها بين ذراعينا ونطوف بها على دول العالم ونسأل عند كل بوابة: هل لديكم مكان شاغر لإقامة دولة أبناء الله؟ هل لديكم حقول يستولي عليها أبناء الله ويطردون أصحابها؟ هل لديكم صفاية تصفى بها مواطنيكم فنضع اليهودي داخل الحدود وغير اليهودي خارج الحدود؟..

دعنا نطوف العالم ونسأل عند كل بوابة: هل ثمة أحد بينكم يرضى بأن يصبح الدين مبرراً للعزلة؟.. هل ثمة أحد بينكم يريد أن يتنازل عن بيته لمجرد أن ابن الله موشى دايان يحتاج إليه. هل ثمة أحد بينكم يعرف ما يستطيع أن يقوله لرجل يهودي يطردك من بيتك وحقلك ويحرمك من الحياة معه لمجرد أنك لست يهودياً مثله.

دعنا نطوف العالم ونسأل عند كل بوابة: ما هو الفرق بين النازية وبين الصهيونية؟ ما هو الفرق بين رجل يقتلك لأنك لست جرمانياً وبين رجل يقتلك لأنك لست يهودياً .. ما هو الحل الذي أحضرته اسرائيل مع النازية سوى أنها جعلتها مشكلة العرب مع اليهود .. ما هو الفرق بين عنصرية البيض ضد السود وبين عنصرية اليهود ضد بقية الناس؟..

دعنا نطوف العالم ونسأل عند كل بوابة، ودعنا نترك للناس الغربيين بالذات فرصة كاملة لتشغيل عقولهم الذائعة الصيت فلعل بينهم ثمة رجل عبقري واحد يملك الشجاعة الكافية والذهن الكافي لكي يقف أمامنا مرفوع الرأس ويقول لنا على مسمع من الدنيا: الأمر بسيط أيها العرب البسطاء. صدقوا التوراة فوراً وأقنعوا أنفسكم بأنكم حقاً غرباء في أرض الله. أقنعوا أنفسكم بأن الله يملك ولداً مدللاً واحداً اسمه اسرائيل .. أقنعوا أنفسكم أن هذا الولد السماوي قد اختار الإقامة في يافا والخليل واختار بالذات أن يقيم وحده وأن يطردكم من حضرته اتقاء للدنس وأن الأمر واضح وسماوي ولا غبار عليه. دعنا نسمع صوت أصدقاء اسرائيل. نعرف منهم أنهم يطالبوننا بالتفاهم معها على هذا الأساس الهمجي أو نعرف منهم على أي أساس آخر إذن..

لا تنتظر أن تسمع شيئاً سوى الدعوة إلى المفاوضات.

ليس ثمة شيء آخر .. ليس ثمة من يعرف على أي أساس. حتى العقل الغربي الذائع الصيت، أعني حتى العقل الغربي بالذات الذي اشتهر بالحداقة والفهلوة لا يعرف أصلاً أن اسرائيل لا تلجأ إلى المطالبة بالمفاوضات لأنها “تريد” أن تتفاهم معنا بل لأنها تعرف -مقدماً- أنها لم تترك لنا فرصة للتفاهم. بكلمة بسيطة أخرى، العالم مخدوع بالبطاقة الشخصية التي تركتها اسرائيل عند رأس ضحيتها والمتهم البريء يرسله القاضي لحبل المشنقة. وأسوأ ما في الأمر أن هذه اللعبة غير العادلة تتم “بالذات” باسم الإنسانية.

فباسم الإنسانية يطالبنا العالم بأن نقبل اسرائيل.

وباسم الإنسانية يطالبنا العالم بأن “نتفاهم” مع اسرائيل. وباسم الإنسانية ينسى العالم أيضاً أن يتوقف ذات مرة عن مطالبتنا بالمفاوضات ويقول لنا إنه يريدنا أن نعترف بأن اليهود بالذات أعلى درجة من الإنسانية أو أن شعب فلسطين أقل درجتين. إن كل شيء في هذه الخدعة المزرية يتم باسم الإنسانية للدفاع عن كنيسة يهودية متزمتة ضد حقوق الإنسان في المساواة. ومع ذلك فإن أحداً لا يرى طبيعة التناقض المروع ولا يستطيع أيضاً أن يراه..

والسبب؟..

أن اسرائيل أقنعت العالم بأن خلافنا معها خلاف على الحدود بين الأراضي وليس خلافاً على الحدود بين الناس.

والنتيجة؟..

أن العالم يحثنا على تسوية خلاف الحدود مع اسرائيل. يريدنا أن نرسم خطاً فاصلاً على الخريطة. يعرض علينا مساعدته في إرسال قوات من الأمم المتحدة لحراسة البوابات. ينسى كلية أن اسرائيل لا تطالب بحدود بين الأراضي بل بحدود بين الإنسان اليهودي وبين غيره. ينسى أيضاً أن الخط الفاصل لن يميز قطعة أرض عن قطعة أخرى بل سيميز إنساناً عن إنسان آخر .. ينسى أن اسرائيل لا تطالب بحدود جغرافية تحدد هويتها على وجه الأرض إلا أنها تملك حدوداً ثقافية تميز إنسانها عن باقي سكان الأرض. العالم ينسى ذلك كله باسم الإنسانية وينسى بالذات أن قوات الطوارئ من الأمم المتحدة لن تقف لحراسة بوابة فقط بل لحراسة فلسفة وأن أول بند في هذه الفلسفة أن الإنسانية ليست سواء، وأن كل إنسان آخر بما في ذلك جنود الأمم المتحدة، يقعون نصف درجة تحت مستوى اليهود.

العالم يدين نفسه دون أن يدري.

يدين الإنسان العربي برفض الإنسان اليهودي وينسى في غمرة صراخه أن العنصرية بالذات هي الحجر الوحيد والأساسي في إقامة دولة خاصة باليهود.

العالم يطالبنا بالتفاهم مع اسرائيل وينسى أن يرشدنا إلى الطريقة المثلى لتحقيق هذا التفاهم دون أن نتفق مسبقاً على أن اليهود وحدهم هم الإنسانية وأن الرجل اليهودي يملك حقاً معترفاً به في أن يحتل بيتك ويطردك منه.

العالم الذكي المليء بالناس العباقرة وأصحاب الرأي والمشورة يستطيع أن يقع في ورطة لو قرر لاجئ فلسطيني واحد أن يعتنق الدين اليهودي، هل يسمح له بالعودة إلى فلسطين؟ .. هل يسمح لإسرائيل بمنعه من دخول دولة مقامة لليهود .. هل يهز له كتفيه ويخبره بأنه محروم من هداية التوراة لأن أمه البسيطة لم تلده يهودياً. ماذا يفعل العالم الذكي المليء بالناس العباقرة وأصحاب الرأي والمشورة؟..

أنا أقول لك أنه لا يعرف ثمة ما يستطيع أن يفعله.

وأقول لك أن العالم ليس ذكياً ومليئاً بالناس العباقرة وأصحاب الرأي والمشورة .. أنت تمنحه هذه الصفات لأنك تراه مهيباً ومعقداً من الخارج لكنه من الداخل مجرد حفنة من الرجال البسطاء الذين يرتعدون رعباً من مواجهة الحقائق المرة ويفضلون -ألف مرة- أن يخدعهم عدوهم على أن يرغمهم على مواجهة ضمائرهم بأمانة. إن الخدعة -مهما كانت رديئة-تمنحك -على الأقل- الحق في إصدار حكم خاطئ بضمير مستريح.

لهذا السبب نجحت اسرائيل بخدعتها البسيطة، أعني لأن العالم كله مستعد أصلاً لقبول الخدعة بحثاً عن راحة ضميره..

فليرتح ضمير العالم أكثر. ليغمره السلام والنعاس .. ليمنحه رجاله العباقرة مزيداً من الأدلة الباطلة ضد العرب. ليساعده الله لكي يقنع نفسه بأن معركة الشرق الأوسط معركة على حدود الأرض وأن كل ما نحتاجه لإقرار السلام هو أن نضع حارساً برتبة أومباشي من الأمم المتحدة لكي يحرس البوابة. ليرتح ضمير العالم فهو في حاجة ماسّة إلى أن يموت مستريح الضمير على الأقل.

لأنه لا بدّ أن يموت. لا بدّ أن يولد جيل آخر، ولا بدّ أن يولد عالم أفضل، وتقف اسرائيل أمام قاض من نوع مختلف وتكتشف -ذات مرة- أن خدعة البطاقة الشخصية لم تجعلها تفلت من العقاب إلا إفلاتاً مؤقتاً مردّه إلى سذاجة القضاة وسوء حال العدالة.

وإن الإنسان يستأنف قضيته ضدها في ظروف مختلفة جداً.
الإنسان العربي واليهودي معاً..

البيض والسود والفلاحون .. وبقية الناس والأطفال .. كل إنسان في كل بيت يستأنف قضيته ضد اسرائيل ويعلق في عنقها تبعة الحريمة البذيئة التي ارتكبتها في وضح النهار. إن الخدعة -مهما بدت متقنة- لا بدّ أن تنكشف في نهاية المطاف لكي تصبح خدعة، ونحن نعرف على وجه اليقين. نعرف بدون ذرة شك واحدة، أن اسرائيل تلتزم تجاهنا خدعة المفاوضات لمجرد التمويه وأنها لا تستطيع أن “تتفاهم” معنا أو مع أصدقائها أنفسهم، بل أنها في الواقع لا تستطيع أن تتفاهم مع كتابها المقدّس ذاته، وأن عالمنا لا يملك للقتلة سوى حبل المشنقة مهما بدت حيلهم ذكية لامعة، وأن اسرائيل تجدف لاهثة في هذا الاتجاه. وذات يوم ستصل..

ذات يوم تنكشف حيلة المسدس والقبعة والبطاقة الشخصية.

تنكشف حيلة المفاوضات ويسأل العالم نفسه عما إذا كانت اسرائيل لا تدعونا للتفاهم معها إلا لأنها لا تملك شيئاً تتفاهم فيه معنا أو مع غيرنا. ذات يوم سيضع العالم نفسه في مكان العرب ويكتشف -بدون عناء- أن العرب لا يرفضون اليهود بل إن اليهود هم الذين يرفضون الناس جميعاً وأن إدانتنا بالحرب هي بالضبط إدانة رجل يقاتل دفاعاً عن نفسه لأن عدوه لم يترك له فرصة الاختيار.

قلت لك ذات يوم سنجد طريقنا إلى محكمة عادلة.

ونكشف أمام قضاتنا خدعة البطاقة الشخصية والمفاوضات ونبرئ أنفسنا من التهمة المحزنة التي يعلقها الغربيون في أعناقنا ونضع أمامهم القاتل الحقيقي عارياً من ملابسه.

ذلك كله سننتظر حدوثه بمجرد أن نتعلم الدفاع عن أنفسنا دفاعاً فعالاً خالياً من العيوب ونكتشف أن لعبة المفاوضات لا تطالبنا بها اسرائيل إلا لأنها بالذات نقطة الضعف الحقيقية فيها. إن عدونا يدعونا إلى التفاهم معه لأنه يعتقد أن المفاوضات ستؤدي إلى اتفاقنا بين الحدود على الأراضي، فإذا وجهنا ضربتنا هنا بالضبط ودعوناه إلى أن يقول لنا أولاً الحدود الفاصلة بين إنسان وبين إنسان، فإن اسرائيل ملزمة برفض المفاوضات والتفاهم معاً.

إنها لا تملك فرصة الاختيار فالمساواة بين الناس هي آخر ما تستطيع اسرائيل أن تقبله وهي أيضاً آخر ما تستطيع أن تعترف أمام العالم بأنها ترفضه .. إن خدعة المفاوضات تبدو هنا بمثابة اعتراف من اسرائيل نفسها بأنها قابلة للتدمير في هذه النقطة بالضبط.

قلت لك إن هذا النقاش ليس حديثاً سياسياً.. لأن اسرائيل -بالنسبة لي- ليست سياسة بل ديناً نصف متحضر ونصف وثني، ولأني أعتقد أن قضية الشعب الفلسطيني لا تخصه وحده ولا تخص العرب وحدهم بل تخص الإنسانية بأسرها التي تحتاج إلى الدفاع عن وحدتها ضد كل فلسفة عنصرية .. إنني لم أدخر وسعاً في أن أشرح لك وجهة نظري.

الصادق النيهوم في ١٨ ديسمبر١٩٧١  

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s